الشيخ محمد هادي معرفة
119
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
44 و 45 - وهكذا أحاديث إقباله تعالى على أهل الجنّة ، فإنّها لم تصحّ ، والصحيح منها لايدلّ على ما حسبه القوم من المقابلة الحسّيّة وما أشبه ، وإنّما هي زلفى في دار رضوان . رفع اليدين إلى السماء 46 - وأمّا رفع الرأس واليدين إلى السماء حالة الضراعة إلى اللّه والابتهال إليه ، فقد تقدّم ( في بحث « الفوقية » ) أنّ الإنسان في فطرته يعلم بأنّ تدابير شؤون هذه الحياة المادية ، إنّما تتخذ في عالم آخر غير مادي ، حيث يشاهد أنّ ما أحاط به من مظاهر هذا الكون جميعا أمثاله ، ذوات حاجة وافتقار إلى من يدبّر شؤونها ، ومن يقوم بسداد خللها ، فلابدّ أنّ وراء هذا المظهر ذي النقص والعجز ، من جهاز مقتدر غني ذي قدرة وكمال ، هو الذي يقوم بهذا التدبير وذاك السداد ، وما هو إلّا عالم خارج عن المادة المفتقرة في ذاتها . وإذا كان الإنسان يرى من ذاك العالم اللامادي وراء هذا العالم ، فإنّه يراه محيطا به من كلّ الجوانب ، إحاطة المدبّر - بالكسر - بالمدبّر - بالفتح - ، وأعلى منه ، علوّ الكمال على النقص ، ومتبائنا منه ، تبائن القدرة عن العجز . وبعد فإذا كان الإنسان يرى ما بين العالمين هذا التباعد ، وكان يرى من عالم الشهود مدّ بصره في جميع جوانبه ، يا ترى ، فأين يقع عالم الغيب ؟ ! لابدّ أنّه محيط بهذا العالم ، وإذا كان محيطا به فهو فوقه ، لأنّ كلّ محيط بجسم كُرّي فهو فوقه من جميع الجهات لا محالة ، هكذا يتصوّره تجسيم الخيال . إذن فعالم الغيب هو فوق هذا العالم الذي نعيش فيه هذه العيشة المادية ، قياسا لغيرالمحسوس بالمحسوس في كلّ ما يتصوّره الإنسان من شؤون ما وراء محسوسه إذا ماقاسها بما لديه من محسوسات . قال تعالى : « وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ » « 1 » تنزيلًا من عالم الغيب إلى عالم الشهود ، الأمر الذي دعا بالمؤمنين وغير المؤمنين من سائر
--> ( 1 ) - الحجر 21 : 15 .